الشيخ محمد رضا مهدوي كني
248
البداية في الأخلاق العملية
إزاء حياته الماضية التي تبددت عبثا ودون فائدة ، ذلك لأنّ كلّ وعاء يستوعب بمقدار حجمه ، وكل لحظة لها التكليف الخاص بها ، ولهذا لا يمكن وضع الماضي في هذا الوعاء المحدود وتدارك ما فات ، اللهم إلّا إذا شمل اللطف الإلهي العبد . هب اننا تبنا ورجعنا إلى اللّه تعالى بصدق ، غير أنّ التوبة لا اثر لها سوى الغفران والعفو . أي ان التوبة والاستغفار يوجبان بحسب الطبع رفع العذاب لا اعلاء المقام ورفع المنزلة . بتعبير آخر : التوبة تعني التخلص من عذاب الجحيم ، ولا تعني نيل الكرامة وتحقيق الافتخار . وما أسعد أولئك الذين انتهزوا جميع اللحظات والامكانات ، وخططوا حتى لساعات استراحاتهم وهدوئهم بحيث تحول فيها نومهم إلى عبادة وأنفاسهم إلى تسبيح ، كما أشار الرسول محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى ذلك في وصف الصائمين في شهر رمضان المبارك : « . . . أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول » « 1 » . وهناك فئة واحدة بامكانها أن تأمل بتدارك ما فات وهي فئة المجاهدين في سبيل اللّه ، أي تلك الفئة التي انتخبت طريق الشهادة والتضحية والفداء . فالشهادة في سبيل اللّه سلّم للتسلق إلى الملأ الاعلى وقفزة عريضة نحو القرب من اللّه . فهذه الفئة وفضلا عن حصولها على العفو الإلهي ، تحصل على امتياز التعويض عن كافة النواقص الماضية . أي انها تقطع بالايثار والتضحية طريق مائة عام بليلة واحدة هي خير من ألف شهر ، فهي تحوّل كل ما لديها بالقوة إلى الفعل ، وتسارع محلّقة نحو الخالق ، فترفع على رؤوسها إكليل الغار والشرف والفخر بحضور جمعي وظلي لحياة أبدية وضيافة سرمدية . ولكن هل بامكان سائر الناس التعويض عمّا فات وتدارك الماضي من خلال التوبة والإنابة ؟ اللّه أعلم ، ولكنني اعتقد ان من الصعب ان يحالف مثل هذا الحظ الجميع .
--> ( 1 ) الخطبة الشعبانية للرسول الأكرم محمد ( ص ) : كتاب الوافي ، ج 2 ، ص 53 ؛ الاقبال ، السيد بن طاووس ، ص 1 .